أبي حيان الأندلسي

53

البحر المحيط في التفسير

لما فيه من ذكر ما يؤول إليه أمرهم من العقاب الدائم والعذاب السرمدي . ثم أتبعه بهذا التمثيل الذي نبههم على ما هي أعمالهم عليه لعلهم يرجعون إلى الإيمان ويفكرون في نور اللّه الذي جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، والظاهر أنه تشبيه لأعمالهم وضلالهم بالظلمات المتكاثفة . وقال أبو علي الفارسي : التقدير أو كذي ظلمات ، قال : ودل على هذا المضاف قوله إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف ، فالتشبيه وقع عند أبي عليّ للكافر لا للأعمال وهو خلاف الظاهر ، ويتخيل في تقرير كلامه أن يكون التقدير أو هم كذي ظلمات فيكون التشبيه الأول لأعمالهم . والثاني لهم في حال ضلالهم . وقال أبو البقاء : في التقدير وجهان أحدهما : أو كأعمال ذي ظلمات ، فيقدر ذي ظلمات ليعود الضمير من قوله إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ إليه ، ويقدر أعمال ليصح تشبيه أعمال الكفار بأعمال صاحب الظلمة إذ لا معنى لتشبيه العمل بصاحب الظلمات . والثاني : لا حذف فيه ، والمعنى أنه شبه أعمال الكفار بالظلمة في حيلولتها بين القلب وبين ما يهتدى إليه ، فأما الضمير في قوله إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ فيعود إلى مذكور حذف اعتمادا على المعنى تقديره إذا أخرج من فيها يده . وقال الجرجاني : الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار . والثانية في ذكر كفرهم ونسق الكفر على أعمالهم لأن الكفر أيضا من أعمالهم ، وقد قال تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور . من الكفر إلى الإيمان ، فيكون التمثيل قد وقع لأعمالهم بكفر الكافر و أَعْمالُهُمْ منها كفرهم ، فيكون قد شبه أَعْمالُهُمْ بالظلمات ، والعطف بأو هنا لأنه قصد التنويع والتفصيل لا أن أَوْ للشك . وقال الكرماني : أَوْ للتخيير على تقدير شبه أعمال الكفار بأيهما شئت . وقرأ سفيان بن حسين أَوْ كَظُلُماتٍ بفتح الواو جعلها واو عطف تقدّمت عليها الهمزة التي لتقرير التشبيه الخالي عن محض الاستفهام . والظاهر أن الضمير في يَغْشاهُ عائد على بَحْرٍ لُجِّيٍّ أي يغشى ذلك البحر أي يغطي بعضه بعضا ، بمعنى أن تجيء موجة تتبعها أخرى فهو متلاطم لا يسكن ، وأخوف ما يكون إذا توالت أمواجه ، وفوق هذا الموج سَحابٌ وهو أعظم للخوف لإخفائه النجوم التي يهتدى بها ، وللريح والمطر الناشئين مع السحاب . ومن قدر أو كذي ظلمات أعاد الضمير في يَغْشاهُ على ذي المحذوف ، أي يغشى صاحب الظلمات . وقرأ الجمهور سَحابٌ بالتنوين ظُلُماتٌ بالرفع على تقدير خبر لمبتدأ محذوف ، أي هذه أو تلك ظُلُماتٌ وأجاز الحوفي أن تكون مبتدأ و بَعْضُها فَوْقَ